أثارت العقوبات التي أصدرتها لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) موجة استياء واسعة داخل الأوساط الكروية المغربية، ليس فقط بسبب قساوتها المالية والرياضية، بل لما حملته من مؤشرات مقلقة حول طريقة التعاطي مع أحداث نهائي كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025”.
فبدل أن تشكّل هذه القرارات لحظة فاصلة لإعادة الاعتبار لهيبة المسابقة القارية الأولى وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بدت وكأنها تعاقب النتائج أكثر مما تحاكم الأسباب، وتحمّل البلد المنظم مسؤولية جماعية عن فوضى لم يكن طرفًا في إشعالها.
القراءة المتأنية للأحكام الصادرة عن “الكاف” تكشف مفارقة لافتة في ميزان العقوبات؛ إذ سُجّل تساهل واضح في توصيف انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب وتوقف المباراة، وهو سلوك خطير يمس جوهر المنافسة وقوانينها، مقابل صرامة غير مسبوقة في التعامل مع لاعبين مغاربة والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
وقد امتدت العقوبات إلى تفاصيل ظرفية يصعب التحكم فيها، من قبيل سلوك جامعي الكرات، ما زاد من حدة الجدل وطرح علامات استفهام حول معيار التقدير والانضباط المعتمد في هذا الملف الحساس.
هذا الاختلال في الميزان التأديبي عمّق الإحساس بالغبن لدى الجماهير المغربية، وعزّز قناعة شريحة واسعة من المتابعين بأن منطق “التوازن السياسي” داخل أروقة الكرة الإفريقية طغى مرة أخرى على منطق العدالة القانونية الصرفة.
فبدل معالجة جوهر الأزمة، بدا أن العقوبات جاءت لإرضاء أطراف معينة، ولو على حساب الوضوح القانوني والإنصاف، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول مصداقية القرارات التأديبية داخل “الكاف”.
في ظل هذا السياق المشحون، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة داخل الأوساط الرياضية المغربية:هل ستكتفي الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ببيان استياء، أم ستختار نقل الملف إلى مرحلة الاستئناف، وربما عرضه أمام المحكمة الرياضية الدولية في لوزان؟
المعطيات القانونية، كما وردت في الشكاية المغربية المستندة إلى خرق المادتين 82 و84 من نظام كأس أمم إفريقيا، لا تزال قائمة، ورفضها دون تعليل مفصل يفتح الباب أمام مسار قانوني دولي قد يعيد ترتيب المسؤوليات.
وهو مسار، إن تم سلوكه، لن يختبر فقط عدالة القرارات الصادرة، بل سيضع “الكاف” مجددًا أمام امتحان حقيقي لمدى التزامها بمبادئ الشفافية والإنصاف داخل منظومة كرة إفريقية باتت توصف، حتى من داخلها، بأنها تعاني من أعطاب بنيوية عميقة.




















0 تعليقات الزوار