تابع الرأي العام الرياضي باهتمام كبير الندوة الصحفية التي عقدها الاتحاد السنغالي لكرة القدم رفقة هيئة دفاعه في باريس، للإعلان عن لجوئهم إلى محكمة التحكيم الرياضي للطعن في قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم. غير أن القراءة المتأنية لمضامين هذه الندوة تكشف بوضوح أن ما قُدّم لم يكن طرحًا قانونيًا متماسكًا، بل خطابًا إعلاميًا موجّهًا للاستهلاك العام، يغلب عليه الطابع العاطفي ومحاولات التأثير السياسي.
فبدل تقديم دفوعات قانونية دقيقة، سعت الأطراف السنغالية إلى خلط الأوراق عبر إدخال عناصر لا علاقة لها بجوهر النزاع، من قبيل الحديث عن توقيف مشجعين سنغاليين واعتباره “ابتزازًا دبلوماسيًا”. والحال أن هذه الوقائع تندرج ضمن اختصاص القانون الجنائي المغربي، ولا صلة لها بالنزاع الرياضي المعروض، مما يجعل استحضارها مجرد محاولة للضغط العاطفي وصرف الأنظار عن ضعف الملف القانوني.
كما أن الخطاب الذي تبناه رئيس الاتحاد السنغالي، المليء بالعبارات الرنانة، بدا أقرب إلى محاولة تلميع صورة شخصية في ظرفية حساسة، خاصة في ظل ما يثار حوله من شبهات في ملفات أخرى معروضة أمام نفس الهيئة التحكيمية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الخلفيات الحقيقية لهذا التصعيد الإعلامي.
الأكثر إثارة للاستغراب، هو إقرار الفريق القانوني السنغالي بعدم توصله إلى حدود الساعة بحيثيات قرار لجنة الاستئناف. ومن غير المنطقي، من الناحية المهنية، أن يتم الإعلان عن الطعن وعقد ندوة دولية دون الاطلاع على التعليل القانوني للقرار المطعون فيه، ما يؤكد أن الموقف الحالي مبني على فرضيات وتكهنات أكثر منه على أسس قانونية صلبة.
وفي محاولة أخرى للضغط، تم التلميح إلى وجود تناقض داخل أجهزة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم وادعاء إلزامها بالحياد، وهو طرح يتعارض مع القواعد الأساسية للتحكيم الرياضي. فبحسب المادة R39 من مدونة محكمة التحكيم الرياضي، فإن الطعن يُوجّه ضد الجهة التي أصدرت القرار، ما يعني أن “الكاف” طرف أصيل في النزاع وملزم بالدفاع عن قراراته، وليس هيئة محايدة كما يُروّج.
أما بخصوص ما اعتُبر “تناقضًا” بين القرار الابتدائي وقرار الاستئناف، فإن ذلك يعكس جهلًا بمبدأ أساسي في التقاضي، حيث تملك هيئات الاستئناف، وفق المادة R57 من مدونة الطاس، صلاحية إعادة النظر الكاملة في الوقائع والقانون، بل وإصدار قرار جديد يعوض القرار السابق أو إلغائه. وهو مبدأ راسخ في مختلف الأنظمة القانونية، وليس استثناءً.
وفي صلب النزاع، أخطأ الدفاع السنغالي في تكييف الواقعة، حين استند إلى قوانين اللعبة الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم، خاصة المادة الخامسة المتعلقة بسلطة الحكم داخل الملعب. غير أن القضية لا تتعلق بقرار تحكيمي تقني (كهدف أو تسلل)، بل بحالة انضباطية مرتبطة بالانسحاب، وهو ما يخضع حصريًا للوائح الانضباطية للكاف، وليس لقوانين التحكيم داخل أرضية الميدان.
أما بخصوص مسألة عدم التنصيص الصريح على سحب اللقب، فإن هذا الطرح يغفل أن اللجان القضائية تصدر أحكامها وفق العقوبات المنصوص عليها، كاعتبار الفريق منهزمًا، بينما تترتب الآثار الإدارية (ومنها تجريد اللقب) بشكل تلقائي دون حاجة إلى التنصيص عليها كعقوبة مستقلة.
خلاصة القول، إن الندوة الصحفية السنغالية، رغم الزخم الإعلامي الذي رافقها، كشفت عن هشاشة واضحة في الأسس القانونية التي بُني عليها الطعن، واعتماد خطاب شعبوي يخلط بين القانون والسياسة. وهو ما يجعل هذا التحرك أقرب إلى “زوبعة في فنجان”، أكثر منه معركة قانونية قائمة على أسس متينة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مسطرة الطعن أمام “الطاس”، يبقى المؤكد أن الحسم في مثل هذه النزاعات لا يتم عبر المنابر الإعلامية، بل داخل قاعات التحكيم، حيث الكلمة الفصل للنصوص القانونية، لا للشعارات.




















0 تعليقات الزوار